أبي منصور الماتريدي

56

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

--> - فقد قال : « جميع قديسيه في يدك ، وهم جالسون عند قومك ، يتقبلون من أقوالك » أي أن الصحابة الأجلاء في يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يخرجون عن طاعته ، وهم جالسون عند قدمه : كناية عن التواضع بين يديه ، ويتقبلون من أقواله : أي لا يشرعون لهم من تلقاء أنفسهم . - وقد نبه يعقوب الذي هو إسرائيل بنيه حال موته على مجيء نبي السلام الذي متى جاء فإنه سيأخذ منهم الملك والنبوة بقوله : « لا يزول قضيب من يهوذا ، ومشترع من بين رجليه ، حتى يأتي شيلون ، وله يكون خضوع شعوب » [ تكوين 49 : 10 ] والمعنى : لا يزول الملك من بني إسرائيل . وعبر ب « يهوذا » عن بني إسرائيل بأسرهم . وستظل التوراة شريعة تحت نفوذ الملوك من بني إسرائيل حتى يأتي « شيلون » نبي الإسلام ، فيتسلم منهم النبوة والملك وتخضع له أمم الأرض . وليس شيلون إلا محمدا - صلى الله عليه وسلم - لأنه من إسماعيل المبارك فيه . - ولما كان موسى - عليه السلام - هو والمشايخ السبعون على جبل طور سيناء لتلقي شريعة التوراة من الله ، خاف بنو إسرائيل من الدخان والنار اللذين أحاطا بهما وهما فوق الجبل ، وقالوا لموسى عليه السلام : إذا أراد الله أن يكلمنا مرة أخرى ويسمعنا صوته فليكن عن طريق بشر ، ليكن عن طريقك يا موسى ونحن نسمع ونطيع . فرد موسى كلامهم إلى الله . فقال الله : أحسنوا فيما قالوا ، ولسوف أرسل لهم نبيّا مثلك وأجعل كلامي في فمه ، أي سيكون نبيّا أميّا لا يقرأ ولا يكتب . وهذا النبي الذي سيأتي مماثلا لموسى هو محمد - عليه السلام - لأن الله قد بارك في إسماعيل - عليه السّلام - وجعل له ملكا ونبوة ، كملك بني إسحاق ونبوتهم ؛ فإن لإسحاق بركة كبركة إسماعيل وحملها من بني إسحاق كلهم : بنو إسرائيل . وبدأت من بني إسرائيل من موسى عليه السّلام ؛ فإنه صاحب الشريعة وكان رئيسا مطاعا ، وجاهد في سبيل الله وأمر أتباعه بدخول الأرض المقدسة ، ففي الإصحاح الثامن عشر من سفر التثنية : « يقيم لك الرب إلهك نبيّا من وسطك من إخوتك مثلي له تسمعون حسب كل ما طلبت من الرب إلهك في حوريب يوم الاجتماع قائلا : لا أعود أسمع صوت الرب إلهي ولا أرى هذه النار العظيمة أيضا لئلا أموت ، قال لي الرب : قد أحسنوا فيما تكلموا . أقيم لهم نبيّا من وسط إخوتهم مثلك ، وأجعل كلامي في فمه ؛ فيكلمهم بكل ما أوصيه به ويكون الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي ، أنا أطالبه ، وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلاما لم أوصه أن يتكلم به أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى ، فيموت ذلك النبي . وإن قلت في قلبك : كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب ؟ فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصر ، فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب ، بل بطغيان تكلم به النبي ؛ فلا تخف منه » [ تث 18 : 15 - 22 ] . كيفية انطباق النبوة على محمد - صلى الله عليه وسلم - : أولا : إن من أوصاف هذا النبي المنتظر : أن يكون نبيّا لا إلها . وقد زعم النصارى : أن أوصاف النبي الذي تتحدث عنه هذه النبوءة تنطبق على عيسى ، عليه السّلام . وزعمهم باطل ؛ لأن بعضهم يقول : إن عيسى إله ، وبعضهم يقول هو الإله الخالق للعالم ؛ فالكاثوليك والبروتستانت يقولون : إن عيسى هو الإله الثاني والله هو الإله الأول والروح القدس هو الإله الثالث . والأرثوذكس يقولون : إن عيسى هو الله رب العالمين وقد ظهر للناس في صورة بشر . وعن مذهب الكاثوليك والبروتستانت يقول تعالى : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ [ المائدة : 73 ] ، وعن مذهب الأرثوذكس يقول تعالى : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [ المائدة : 72 ] . وهذا مع ما في التوراة وما في الإنجيل من أن الله تعالى هو الخالق للعالم وحده ، وأنه ليس -